محمد بن جرير الطبري
186
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ياء وحدها لا نون معها ، فأجروا ذلك من لدن على حسب ما جرى به كلامهم في ذلك مع سائر الأشياء غيرها . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان فصيحتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء بالقرآن ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجب القراءتين إلي في ذلك قراءة من فتح اللام وضم الدال وشدد النون . لعلتين : إحداهما أنها أشهر اللغتين ، والأخرى أن محمد بن نافع البصري : حدثنا ، قال : ثنا أمية بن خالد ، قال : ثنا أبو الجارية العبدي ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً مثقلة . حدثني عبد الله بن أبي زياد ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، عن حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال : " استحيا في الله موسى " . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا بدل بن المحبر ، قال : ثنا عباد بن راشد ، قال : ثنا داود ، في قول الله عز وجل إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استحيا في الله موسى عندها " . حدثني عبد الله بن أبي زياد ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، عن حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه ، فقال ذات يوم : " رحمة الله علينا وعلى موسى ، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب ولكنه قال : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا " مثقلة . القول في تأويل قوله تعالى : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ . . . أَجْراً يقول تعالى ذكره : فانطلق موسى والعالم حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها من الطعام فلم يطعموهما واستضافاهم فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ يقول : وجدا في القرية حائطا يريد أن يسقط ويقع ؛ يقال منه : انقضت الدار : إذا انهدمت وسقطت ؛ ومنه انقضاض الكوكب ، وذلك سقوطه وزواله عن مكانه ؛ ومنه قول ذي الرمة : فانقض كالكوكب الدري منصلتا وقد روي عن يحيى بن يعمر أنه قرأ ذلك أن ينقض : " يريد أن ينقاض " . وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب إذا قرئ ذلك كذلك في معناه ، فقال بعض أهل البصرة منهم : مجاز ينقاض : أي ينقلع من أصله ، ويتصدع ، بمنزلة قولهم : قد انقاضت السن : أي تصدعت ، وتصدعت من أصلها ، يقال : فراق كقيض السن : أي لا يجتمع أهله . وقال بعض أهل الكوفة منهم : الانقياض : الشق في طول الحائط في طي البئر وفي سن الرجل ، يقال : قد انقاضت سنة : إذا انشقت طولا . وقيل : إن القرية التي استطعم أهلها موسى وصاحبه ، فأبوا أن يضيفوهما : الآيلة . ذكر من قال ذلك : حدثني الحسين بن محمد الذارع ، قال : ثنا عمران بن المعتمر صاحب الكرابيسي ، قال : ثنا حماد أبو صالح ، عن محمد بن سيرين ، قال : انتابوا الأيلة ، فإنه قل من يأتيها فيرجع منها خائبا ، وهي الأرض التي أبوا أن يضيفوهما ، وهي أبعد أرض الله من السماء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ وتلا إلى قوله لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً شر القرى التي لا تضيف الضيف ، ولا تعرف لابن السبيل حقه . واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قول الله عز وجل يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فقال بعض أهل البصرة : ليس للحائط إرادة ولا للموات ، ولكنه إذا كان في هذه الحال من رثة فهو إرادته . وهذا كقول العرب في غيره : يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماءه بني عقيل وقال آخر منهم : إنما كلم القوم بما يعقلون ، قال : وذلك لما دنا من الانقضاض ، جاز أن يقول : يريد